البطل اليهودي فـي رواية شوشا, حرية التفكير لا تمثلُ خطرا على الإيمان


 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
style

شاطر | 
 

 البطل اليهودي فـي رواية شوشا, حرية التفكير لا تمثلُ خطرا على الإيمان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Ovh
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3208
تاريخ التسجيل : 14/08/2015

مُساهمةموضوع: البطل اليهودي فـي رواية شوشا, حرية التفكير لا تمثلُ خطرا على الإيمان   السبت يوليو 22, 2017 1:33 pm






البطل اليهودي فـي رواية شوشا, حرية التفكير لا تمثلُ خطرا على الإيمان







رواية (شوشا/1978) رواية بطل يسرد بتقنية ضمير المتكلم وقائع حياتهِ منذ طفولته في الأحياء الفقيرة التي يقطنها اليهود في بولندا، حيث تبدأ جميع المشاهد والمفاصل بفعل مضارع فاعله ضمير مستتر تقديره أنا يعود إلى البطل الذي يفرض على القارئ وجهة نظره في إطار واقعي بأسلوب نقدي انبثقَ ربما عن رغبة الروائي القوية في الحضور عائداً من ماضيه بإعادة استحضارهِ صوراً منتقاة وتعديلها بما يتوافق مع ذاكرة البطل ليؤرخ جانباً من حياة اليهود كجزء من الحياة السياسية والأدبية في وارسو(1917- 1938) وفي أحداثٍ عاشَ الروائي الجزء الكبير منها، ونحن إذ نهتم بمقاصد المؤلف الروائي فإنما ذلك استناداً إلى القصدية كمفهوم ظاهراتي (طوَّره أدموند هوسرل.. في أنَّها سوف تؤثِّر في التأويل العملي من خلال تسويغ اللجوء إلى مواقف المؤلف الخاصة واعتقاداته بصدد عمله بوصفهِ خطوة جديدة)(1)
وليس معياراً للبرهنة على معنىً للنص الأدبي، و(لا حاجة لأنْ يقوم الدليل المستمد من السيرة بإقحام النزعة القصدية لأنَّهُ في الوقت الذي يكون دليلاً على ما يقصده المؤلف، قد يكون أيضاً دليلاً على معنى كلماته والطابع الدرامي لملفوظهِ)(2) وإنْ كان المقصود بهذا الكلام هو قصد الشاعر من ألفاظهِ، لكنَّ هذا لا يمنع امتداد مفهوم القصدية إلى قصد الروائي من تناقضات وجهات النَّظر ومواقف شخصياته من العالَم.
ما هي التفسيرات المحتملة لأسباب انغلاق المجتمع اليهودي على نفسه، وعدم انفتاحهِ على الآخر؟ ما هو السياق التاريخي والاجتماعي الذي سمح باستمرار هذا الانغلاق إلى الآن؟ ما هي السرديات الأسطورية الكبرى التي ظلت متماسكة في التراث اليهودي وتناولها الروائي عن طريق بطله هارون؟ هل نعرف المجتمع اليهودي؟ ما هي مصادر معرفتنا؟ في السياسة تُطرَح أو تُنتَج معرفتنا باليهود بحسب المصلحة وغالباً ما تتأرجح المعرفة لدينا ولديهم بين ذاتانية متطرفة وموضوعانية متطرفة أيضاً، والتطرف والمغالاة موانع ضد العلم والمعرفة. محاولة لتتبُّع تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة التي تكشف البيئة التي شاركت في تكوين شخصية اليهودي وأسهمَت في تكوين وعيهِ بذاتهِ وبالآخر المختلف وبالعالم الخارجي، باعتبار الرواية حدثاً سوسيولوجياً من المجتمع إلى المجتمع، وقد وصفَ الروائي إسحاق باشيفيس سنجر في رواية «شوشا» الظروف التي جعلت هارون يرفض مغريات الزواج بالأمريكية بتي حتى وهي تمثِّل طوق النجاة من بؤسهِ، ويُفضِّل شوشا رغم كلِّ شيء، كنوع من الانغماس في الحرمان والاضطهاد أو لأنَّها ليست ضمن الآخر المختلف، أو للأسباب التي ذكرها هو. ويظهر أثر المكان والبيئة الثقافية في التقلبات وتناقضات إدراك الذات وعلاقتها مع الآخر المختلف، التي طرأت على شخصية اليهودي كبطل روائي: يعيش في مجتمع يهودي مضطهد ومهمَّش يعاني القلق الاجتماعي والاكتئاب في بولندا، وصراعه مع أحلام الهجرة إلى تل أبيب، أو إلى أمريكا.
أهمية البطل الروائي:
يقول باختين (المهم… بالدرجة الأولى ما الذي يكونه العالم بالنسبة للبطل، وما الذي يكونه هو بالنسبة لنفسه، يتطلب البطل بوصفهِ وجهة نظر، بوصفهِ نظرة إلى العالم وإلى نفسه بالذات)(3) ومصطلح «البطل: وجهة نظر» استحدثه هنري جيمس وزعزعه كافكا وأتباعه، ولا زال الكثير يتمسكون به كإسحاق باشيفيس سنجر الذي يُقدِّم العالم اليهودي من وجهة نظر بطلهِ هارون هذه النظرة التي لم تعجب جزءا كبيرا من اليهود المتشددين ولا غير اليهود أيضاً.
السياق التاريخي والاجتماعي
قد نوَّه الروائي في بداية الرواية أنَّ الطفل هارون قرأ كتب باروخ إسبينوزا(1632 – 1677) رغم تحذيرات والدهِ (وأشار والدي إلى الفيلسوف إسبينوزا محا الله اسمه…وفي ذلك اليوم ألقيت محاضرة على شوشا عن الفيلسوف إسبينوزا كما لو كنتُ قرأت كلَّ مؤلفاتهِ)(4). وبالتالي تخفَّف هارون من وطأة النصوص الدينية التي لها أثرٌ كبير في السلوك البشري والضغوط الاجتماعية على الآخر المختلف. وقد كتبَ هــــــــ تين عام 1868 (من ضمن الوثائق التي تجعلنا نعاين من جديد مشاعر الأجيال السابقة، الأدب هو الوثيقة الأفضل على نحوٍ لا مثيل له)(5).
في تل أبيب يقول هايمل(اللاجئون القادمون من أفريقيا، ما أدرانا مَنْ يكونون، لعلهم أحفاد قطورة)(6) وهم جوييم أيضاً(7). يقول هارون (وكنتُ مفارقاً لزمني من عدة وجوه، بيد إني لم أكن أدرك ذلك)(Cool جميع اليهود مفارقين للعالم الذي يعيشونه من حيث الزمان والمكان لكثرة أساطيرهم وعمق إيمانهم بها رغم لا عقلانيتها، فهم يتواصلون مع بعضهم بلغات تعتبر ميتة بالنسبة للعالم الخارجي، تبدأ الرواية بمعلومات يكاد يجهلها الجميع كتشويق وإثارة وجذب للقارئ (تَرَبَّيتُ على ثلاث لغات ميتة: العبرية والآرامية والييدية، وعلى ثقافة تطورت في بابل التلمود، درست في حجرة ينام فيها المعلم وتطهو له زوجته ويأكل فيها، لم أدرس حساباً أو جغرافية أو فيزياء أو كيمياء أو تاريخاً، بل القواعد التي تحكم البيضة موضوعة في يوم عيد ديني، وما كان يُقدَّم من ذبائح أو قرابين في المعبد الذي تهدَّم منذ ألفي عام)(9) وهذا حال جيلٍ بأكملهِ، يدرس بلغات ميتة علوماً لا تنفع أكلَ الدهر عليها وشرب، لتتشكَّل منها سلوكاً عقول منغلقة لمواطنين يقفون عقبة أمام التلاحم الاجتماعي. وتنتهي الرواية في تل أبيب وزوجة هايمل الثانية تسأله وهارون (لماذا تجلسان أنتما الاثنان في الظلام؟ فضحك هايمل: نحن في انتظار جواب)(10) جواب الأسئلة الوجودية التي لمجرد تداولها يعتبر المرء مُنشَقَّاً عن اليهودية. لكن اليهود في بولندا أو شرق أوروبا ليسوا هم اليهود في تل أبيب حيث وقع انقلاب في طبيعة المجتمع بعدما انتقلَ النَّاس إلى أرض الميعاد، مع بزوغ الفكر العلمي وانتصار تيارات العقلنة، لكن رغم ذلك ظلت أساطير اليهود محتفظة بمكانتها المركزية داخل الثقافة اليهودية والحقوق الإلهية التي تتمتع بها شخصية اليهودي باعتباره من أبناء الله وأحبابهِ، واستناداً إلى هذه الأسطورة يقوم بتوجيه نظرتهِ إلى العالَم، يعتبر نورثورب فراي الأسطورة (شكلاً من أشكال التفكير الخيالي والإبداعي، فإنَّها لا تتطور مع نمو المجتمع أو التكنولوجيا… في الوقت نفسهِ من المحتمل أنْ يستمرَّ النظام الأسطوري بسبب طبيعته التقديسية في مجتمعٍ ما بطرق مصطنعة، ويبدأ بإطلاق الأحكام والافتراضات حوق نسق الطبيعة تتعارض مع الملاحظة الفعلية التي يوحي بها ذلك النسق)(11). ويحيل فراي إلى دور المؤسَّسة الدينية في حظر استبدال المفاهيم الأسطورية بمفاهيم علمية منذ كوبرنيكوس وغاليلو. في المجتمع اليهودي يُسمَح بالتفسير العلمي خارج العلوم الإنسانية، لئلا يتوسَّع إلى أساطيرهم المقدَّسة التي تحاول أنْ تُكيِّف نفسها مع كتب التاريخ الذي ذكرت أنَّ الهيكل هُدِمَ مرات كثيرة، ويذكر الإنجيل نبوءة المسيح بهدم الهيكل وكان الهدم الثالث(12) في الإصحاح 24 من إنجيل مَتَّى (فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل(2) فأجابهم يسوع: هل ترونَ كلَّ هذه؟ أقول لكم الحق، لن يُتركَ فيها حجرٌ على حجر، بل يُهدَم الكل). وبهذا الخصوص يقول نورثروب فراي (المبدأ الضمني العام هو: إذا وُجِدَ شيء ما صحيح تاريخياً في الكتاب المقدَّس، فليس ذلك لأنَّه صحيح تاريخياً بل لأسباب أخرى، ويُفترض أنْ تكون للأسباب علاقة بالعمق والدلالة الروحيين)(13) وفي الإصحاح الثاني من سفر دانيال الذي يبدأ برؤيا منامية لنبوخذ نصر، وليمتحنَ قدرة السحرة والكهنة وحكماء القصر، قال أريد منكم أن تخبروني بالرؤيا وتفسيرها قبل أنْ أخبركم، فعجزوا جميعاً، ولجئوا إلى نبي الله دانيال، الذي استعانَ برب السماوات والأرض، فأخبره بالرؤيا، ثم يخبره بتفسيرها الذي ينتهي (وَفِي أَيَّامِ هؤُلاَءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لاَ يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ). اليهود يرفضون مناقشة حقيقة علمية لهذه النبوءات، فضلاً عن إعادة تأولها بما يتَّفِق مع ميولهم واتجاهاتهم، وهنا (يُعتبر المقدس قوة ذات وجهين: فهو يحيي ويميت في آن… وتُدعى تجسداته الأولى في الحضارة الحديثة المتأخرة باسم اللاوعي أو غريزة الموت. وهذه الازدواجية الوحشية التي تجسدت لدى السلالة اليهودية المسيحية في إرهاب مقدَّس تكمن في جذر المفهوم الحديث للحرية، ذلك أنَّ فكرة الحرية مدفوعة إلى حدها الأقصى تنطوي على شكل من الإرهاب)(14) هذه النبوءات المقدسة غير المطروحة للنقاش يناقشها بطل الرواية هارون بعدما شبَّ وخرج عن طوق اليهود وأحيائهم حيث قرأ إسبينوزا الذي أثبت حقيقة أنَّ التوراة لم يكتبها الرب ولا موسى عليه السلام، لأنَّ فيها نعي موسى وذكر أحداث وأماكن وقعت بعده بعهد بعيد، كما وأنَّ الكتب المقدِّسة كُتِبَت باللغة اليونانية، وأنَّ عيسى عليه السلام كان يتحدَّث اللغة الآرامية، كما وأثبتَ من قبل أنَّ (حرية التفكير لا تمثِّل خطراً على الإيمان، أو بتعبيرٍ آخر أنَّ العقل هو أساس الإيمان، والثاني إثبات أنَّ حرية التفكير لا تمثِّل خطراً على سلامة الدولة، أي أنَّ العقل أساس كل نظام سياسي تتبعهُ الدولة… بل أنَّ القضاء على حريَّة التفكير يؤدي إلى ضياع سلامة الدولة والإيمان)(15) ثمَّ توصَّلَ إسبينوزا إلى حقيقة أنَّ(الكتب المقدسة ليس لها مؤلِّف واحد، ولم تكتب للعامة الذين عاشوا في عصرٍ بعينه، بل هي من عمل عدد كبير من الناس ذوي أمزجة مختلفة عاشوا في عصور مختلفة)(16). وكنوع من التمرد استهلَّ الروائي بربط اللغة بالموت وختمَ بربط الانتظار بالظلام، كان اليهود في بولندا كما في أوربا يعيشون مضطهدين منبوذين أشقياء قليلي الرَّجاء غرباء غربة اختيارية ليس بسبب اللغة الميتة فقط، بل بسبب الرفض المتبادل بينهم وبين الآخر. لغات ميتة مقابل لغات حية من شأنها إحداث استلاب حضاري واغتراب وتمرد (تكلمت بضع دقائق بالإنكليزية، كم هي رائعة هذه اللغة ووثيقة الصلة بشؤون الحياة والناس)(17). لو أنَّك ذَمَمْتَ شيئاً أو مدحته بصفات محدَّدة، ثم ذكرتَ شيئاً خلافَهُ بدون صفات، فمن المنطقي أنْ تكون الصفات متضادة، وهذا يعني أنَّ اللغات الميتة: العبرية والآرامية والييدية منفصلة عن شؤون الحياة والناس، وكانت الجرائد والمسرحيات التي تعرض باللغات الميتة بالتالي لا يفهمها غيرهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://arabeduc.alamontada.com
 
البطل اليهودي فـي رواية شوشا, حرية التفكير لا تمثلُ خطرا على الإيمان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
رواد الدراسة في الجزائر :: أدب وشعر :: المكتبة الادبية-
انتقل الى: